كتاب مجالس شهر رمضان للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله الجزء الخامس



المجلس الحادى والعشرون
فضْل العشر الأخيرة من رمَضانُ

الحمدُ لله المتفردِ بالجلالِ والبقاء والعظمةِ والكبرياء والعزِّ الَّذِي لا يُرام الواحد الأحدِ الرب الصمدِ الملِكِ الَّذِي لا يحتاجُ إلى أحَد العليِّ عن مُداناةِ الأوهام الجليل العظيم الَّذِي لا تدركُه العقولُ والأفْهامُ الغنيِّ بذاتِه عن جميعِ مخلوقاتِه فكلُّ مَنْ سواه مفتقرٌ إليه على الدَّوامَ وَفَّقَ مَنْ شاء فأمَنَ به واستقام ثم وَجَدَ لذة مناجاةِ مولاهُ فَهَجَر لذيذَ المنام وصَحِب رُفقةً تتجافى جنوبُهم عن المضَاجع رغبةً في المقام فَلَوْ رأيتَهم وَقَدْ سارتْ قوافلُهم في حَنْدسِ الظَّلام فواحدٌ يسْأَلُ العفَو عن زَلَّته وآخَرُ يشكو ما يجدُ من لَوْعَتِهِ وآخَرُ شَغله ذِكْرُه عن مسألتِه فسبحانَ من أيْقَظَهُمْ والناسُ نيام وتبارك الَّذِي غَفَرَ وعفَا وستَر وكَفَى وأسْبَل على الكافةِ جميعَ الإِنعام أحمده على نَعمِهِ الجِسام وأشكرهُ وأسألُه حفظَ نعمةِ الإِسلامِ وأشْهَدُ أن لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لاَ شريكَ لَهُ عَزَّ منْ اعتز به فلا يُضَام وَذلَّ مَنْ تكبَّر عن طاعتِهِ ولَقِي الاثام وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الَّذِي بَيَّنَ الحلالَ والحرام صلَّ الله عليه وعلى صاحِبه أبي بكرٍ الصدِّيق الَّذِي هو في الْغَارِ خيرُ رفيق وعلى عمَر بنِ الخطَّاب الَّذِي وُفِّقَ للصواب وعلى عثمان مصابِر الْبَلا ومن نال الشهادة العظمى مِنْ أيْدِي العدا وعلى ابنِ عمَّه عليٍّ بن أبي طالب وعلى جميعِ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ مَا غابَ في الأفقِ غَارِب وسلَّم تسليماً

إخواني : لَقَدْ نَزَل بكم عشرُ رمضانَ الأخيرةُ فيها الخيراتُ والأجورُ الكثيرة فيها الفضائلُ المشهورةُ والخصائصُ المذكورةُ

فمنْ خصائِصها أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يجتهدُ بالعملِ فيها أكثرَ مِن غيرها ففي صحيح مسلم عن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يجتهدُ في العَشْرِ الأواخِرِ ما لا يجتهدُ في غيره وفي الصحيحين عنها قالت : كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم إذا دخلَ العَشرُ شَدَّ مِئزره وأحيا ليلَه وأيقظ أهلَه وفي المسند عنها قالت : كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم يَخْلِطُ العِشْرين بصلاةٍ ونومٍ فإذا كان العشرُ شمَّر وشدَّ المِئزرَ

ففي هذه الأحاديث دليلٌ على فضيلةِ هذه العشرِ لأنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يجتهدُ فيها أكثر مما يجتهدُ في غيرِهِا وهذا شاملٌ للاجتهادِ في جميع أنواع العبادةِ من صلاةٍ وقرآنٍ وذكرٍ وصدقةٍ وغيرِها ولأنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يَشدُّ مئزرَه يعْني يعتزلُ نساءَه ليتفَرغَ للصلاةِ والذكرِ ولأنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يُحْيي ليلَه بالقيامِ والقراءةِ والذكرِ بقلبه ولسانِه وجوارِحِه لِشَرفِ هذه الليالِي وطلباً لليلةِ الْقَدْرِ التي مَنْ قامها إيمانَاً واحتساباً غَفَرَ اللهُ له ما تقدمَ من ذنبه وظاهِرُ هذا الحديثِ أنَّه صل الله عليه وسلّم يُحْيِي الليلَ كلَّه في عبادةِ ربِّه مِنَ الذكرِ والقراءةِ والصلاةِ والاستعدادِ لذلِكَ والسحورِ وغيرها وبهذا يحْصُلُ الجمْعُ بَيْنَه وبينَ مَا في صحيح مسلمٍ عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما أعْلَمُهُ صل الله عليه وسلّم قَامَ ليلةً حتى الصباحِ، لأنَّ إحياءَ الليل الثَّابتَ في العشرِ يكونُ بالقيامِ وغيرِه مِنْ أنْواعِ العبادةِ والَّذِي نَفَتْه إحياءُ الليلِ بالقيامِ فَقَطْ والله أَعلم

وممَّا يدُلُّ على فَضيلةِ العشرِ من هذه الأحاديث أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يُوقِظُ أهلَه فيها للصلاةِ والذكرِ حِرْصاً على اغتنام هذه الليالِي المباركةِ بِما هي جديرةٌ به من العبادةِ فإنَّها فرصةُ الْعُمرِ وغنيمةُ لمنْ وفَّقه الله عزَّ وجلَّ فلا ينبغِي للمؤمن العاقلِ أنْ يُفَوِّت هذه الفرصةَ الثمينةَ على نفسِه وأهلِه فما هي إلاَّ ليَالٍ معدودةٌ ربَّمَا يدركُ الإِنسانُ فيها نفحةً من نَفَحَاتِ المَوْلَى فتكونُ سعادةً له في الدنيا والآخرةِ وإنه لمِنَ الحرمانِ العظيمِ والخسارةِ الفادحةِ أنْ تَرى كثيراً مِنَ المسلمينَ يُمْضُونَ هذه الأوقاتَ الثمينة فيما لا ينفعُهم يَسْهَرُونَ مُعْظَمَ الليلِ في اللَّهوِ الباطلِ فإذا جاء وقتُ القيام نامُوا عنه وفوَّتُوا على أنفسهم خيراً كثيراً لعَلَّهُمْ لا يَدركونَه بعد عامِهم هَذَا أبَداً وهذا من تلاعُبِ الشيطانِ بِهم ومَكْرهِ بهم وصَدِّهِ إياهُم عن سبيلِ الله وإغْوائِهِ لهم، قال الله تعالى :
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } [الحجر: 42]
والعاقلُ لا يتخذُ الشيطانَ ولِيّاً من دَونِ الله مع عِلْمِهِ بَعَدَاوَتِهِ لَهُ فإنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ للعقل والإِيمانِ قَالَ الله تعالى :
{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـالِمِينَ بَدَلاً } [الكهف: 50]
وقال تعالى :
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـابِ السَّعِيرِ } [فاطر: 6]

ومن خصائص هذه العشر أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم كان يعْتَكِفُ فيهَا والاعتكافُ : لُزُومُ المسجِد للتَّفَرُّغِ لطاعةِ الله عزَّ وجلَّ وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنةِ رسولِه صل الله عليه وسلّم قال الله عزَّ وجلَّ :
{وَلاَ تُبَـاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة: 187]
وقد اعتكفَ النبيُّ صل الله عليه وسلّم واعتَكَفَ أصحابُه معه وبعْدَه فَعَنْ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم اعتَكَفَ العشرَ الأوَّلَ من رمضانَ ثم اعتكف العشر الأوسْط ثم قال :
«إني اعتكِفُ العشرَ الأوَّل الْتَمِسُ هذه الليلةَ ثم أعْتكِفُ العشرَ الأوسطَ ثم أُتِيْتُ فقيل لي : إنها في العشرِ الأواخرِ فمن أحبَّ منكم أنْ يعتكِفَ فَلْيَعْتكفْ» رواه مسلم

وفي الصحيحين عن عائشةَ رضي الله عنها قالتْ : كان النبي صل الله عليه وسلّم يعتكفُ العشرَ الأواخرِ مِنْ رمضانَ حتى توفاه الله عزَّ وجلَّ ثم اعتكف أزواجُه مِن بعدِه وفي صحيح البخاريِّ عنها أيضاً قالت : كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم يعتكفُ في كلِّ رمضانَ عشرةَ أيامٍ فلما كان العامُ الذي قُبِضَ فيه اعتكفَ عشرين يوماً وعن أنس رضي الله عنه قال : كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم يعتكِف العشرَ الأواخرَ مِن رمضانَ فلم يعتكفْ عاماً فلما كان العامُ المقبلُ اعتكفَ عشرينَ رواه أحمد والترمذي وصححه
وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم إذا أرادَ أن يعتكفَ صلَّى الفجرَ ثم دخل مَعْتَكَفَهُ فاستأذنَته عائشةُ فإذِنَ لها فضربتْ لها خِبَاءً وسألت حفصة عائشةَ أنْ تستأذن لها ففعلتْ فضربتْ خِبَاءً فلما رأتْ ذلك زينبُ أمَرَتْ بخباءٍ فضُرِبَ لها فلما رأى النبيُّ صل الله عليه وسلّم الأخْبِيَة قال : «ما هَذا؟» قالوا : بناءُ عائشةَ وحفصةَ وزينبَ قال النبيُّ صل الله عليه وسلّم : «آلبِرَّ أردْنَ بِهذا؟ انْزعُوها فلا أراها» فنزعَتْ وترَك الاعتكاف في رمضانَ حتى اعتكف في العشر الأول من شوَالٍ مِنْ البخَاريِّ ومسلم في رواياتٍ
قال الإِمامُ أحمدُ بنُ حنبلَ رحمه الله : لا أعْلَمُ عن أحدٍ من العلماءِ خلافاً أنَّ الاعتكافَ مَسْنونٌ

والمقصود بالاعتكاف : انقطاعُ الإِنسانِ عن الناسِ لِيَتَفَرَّغَ لطاعةِ الله في مسجدٍ من مساجِده طلباً لفضْلِهِ وثوابِهِ وإدراكِ ليلة القَدْرِ ولذلك ينْبغِي للمعتكفِ أنْ يشتغلَ بالذكرِ والقراءةِ والصلاةِ والعبادةِ وأن يتَجنَّب ما لا يَعْنِيه من حديثِ الدنيَا ولا بأسَ أنْ يتحدثَ قليلاً بحديثٍ مباحٍ مع أهْلِه أو غيرهم لمصلحةٍ لحديث صَفِيَّةَ أمِّ المؤمنينَ رضي الله عنها قالتْ : «كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم معتكفاً فأتَيْتُه أزورُه ليلاً فحدثتُه ثم قمتُ لأنْقَلِبَ (أي لأنصرفَ إلى بيتي) فقامَ النبيُّ صل الله عليه وسلّم معِي» متفق عليه

ويحرُمُ على المعتكفِ الجِماعُ ومُقَدَّمَاتُه من التقبيلِ واللَّمسِ لشهوةٍ لقولِه تعالى :
{وَلاَ تُبَـاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَـاجِدِ }
وأمَّا خُروجُه من المسجدِ فإنْ كان بِبَعْض بدنِه فلا بأسَ به لحديث عائشة رضي الله عنها قالتْ :
«كان النبيُّ صل الله عليه وسلّم يُخرجُ رأسَه مِنَ المسجِدِ وهو معتكفٌ فأغسله وأنا حائض» رواه البخاري
وفي رواية :
«كانت تَرجّل رأس النبيَّ صل الله عليه وسلّم وهي حائضٌ وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه» وإن كان خروجه بجميع بدنه فهو ثلاثة أقسام :

الأوَّلُ :
الخروجُ لأمرٍ لا بُدَّ منه طبعاً أوْ شرعاً كقضاءِ حاجةِ البولِ والغائِط والوضوءِ الواجبِ والغُسْلِ الواجِب لجنابَةٍ أوْ غيرها والأكلِ والشربِ فهذا جائزٌ إذا لم يُمْكنْ فعْلُهُ في المسجدِ فإنْ أمكنَ فِعُلُه في المسجدِ فلاَ مثلُ أنْ يكونَ في المسجدِ حَمَّامٌ يمكنُه أنْ يقضيَ حاجتَه فيه وأن يغتسلَ فيه أوْ يَكونَ له من يأتِيْهِ بالأكِل والشربِ فلا يخرجُ حينئذٍ لعدمِ الحاجة إليه

الثاني :
الخروج لأمْر طاعةِ لا تجبُ عليهِ كعيادةِ مريضٍ وشهودِ جنازةٍ ونحو ذلك فلا يفعله إلاَّ أنْ يشترطَ ذلك في ابتداءِ اعتكافِه مثل أن يكون عنده مريض يحب أن يعودَه أو يخشى من موته فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجَه لِذَلِكَ فلا بأْسَ به

الثالث :
الخروجُ لأمْرٍ ينافي الاعتكافَ كالخروج للبيعِ والشراءِ وجماعِ أهْلِهِ ومباشرتِهم ونحو ذلك فلا يفعله لا بشرطٍ ولا بغيرِ شرطٍ لأنه يناقضُ الاعتكافَ وينافي المقصودَ منه

ومن خصائِص هذه العشر أنَّ فيها ليلةَ الْقَدْرِ التي هي خيرٌ من ألفِ شهرٍ فاعْرفوا رحمكم الله لهذه العشر فَضْلَها ولا تضيِّعُوها فوَقْتُها ثمينٌ وخيرُها ظاهِرٌ مبينٌ

اللَّهُمَّ وفقْنَا لِمَا فيهِ صلاحُ دينِنا ودنيانَا وأحْسِنْ عاقَبَتَنا وأكْرِمْ مثَوانا واغفر لنَا ولوالِدِينَا ولجميع المسلمينَ برحمتِك يا أرحمَ الراحمينَ وصَلَّ الله وسلّم على نبيِّنا محمدٍّ وآلِهِ وصحبِه أجمعين


المجلس الثانى والعشرون
الاجتْهاد في العشر الأواخر ولَيْلَة القدر


الحمدُ لله عالمِ السِّر والجهر وقاصِمِ الجبابرةِ بالعزِّ والقهر مُحْصِي قطراتِ الماءِ وهو يَجْرِي في النَّهْر وباعثِ ظلامِ الليلِ ينسخُه نورُ الفجر موِفِّر الثواب للعابدِينَ ومكملِّ الأجْر العَالمِ بخَائَنَةِ الأعينِ وخافية الصدر شَمل برزقِه جميعَ خلقِه فلَم يْترُكِ النملَ في الرَّمْلِ ولا الفرخَ في الْوَكر أغنى وأفْقَرَ وبحِكْمَتِهِ وقوع الغِنَى والفَقر وفَضَّل بعضَ المخلوقاتِ على بعض حتى أوقاتَ الدَّهر، لَيلةُ القدْر خيرٌ مِنْ ألفِ شهر أحمدُه حمداً لا مُنتَهى لعَدَدِه وأشكره شكراً يسْتجلِبُ المزيدَ من مَددِه وأشهد أنْ لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريكَ له شهادةَ مخْلِص في مُعْتَقَده، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الَّذِي نَبع الماءُ منْ بينَ أصابع يدِه صل الله عليه وسلّم وعلى أبي بكرٍ صاحبه في رخائِه وشدائده وعلى عمرَ بن الخطاب كهْفِ الإِسلامِ وعَضُدِه وعلى عثمانَ جامِع كتاب الله ومُوحِّدِه وعلى عليٍّ كافي الحروبِ وشجعَانِها بِمُفْرَدِه وعلى آلِهِ وأصحابِه المحسنِ كلٌ منهمْ في عملِه ومقصِده وسلَّم تسليماً

إخواني : في هذِه العشرِ المباركة ليلةُ القَدْرِ الَّتِي شرَّفها الله على غيرها ومَنَّ على هذه الأمة بجزيل فضلها وخيرها أشادَ الله بفضلها في كتابة المبين فقال تعالى :
{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ } [الدخان: 3- 8]
وصفَها الله سبحانَه بأنها مباركةٌ لكَثْرةِ خيرِها وبَركتِها وفضلها فمِن بركتها أنَّ هذا القرآنَ المباركَ أُنْزِلَ فيها ووصَفَها سبحانَه بأنه يُفْرَقُ فيها كلُّ أمرٍ حكيم يعني يفصَل من اللوح المحفوظِ إلى الْكَتَبةِ ما هو كائنٌ مِنْ أمرِ الله سبحانَه في تلك السنةِ من الأرزاقِ والآجالِ والخير والشرِّ وغير ذلك من كلِّ أمْرٍ حكيمٍ من أوامِر الله المُحْكَمَةِ المتْقَنَةِ التي ليس فيها خَلَلٌ ولا نقصٌ ولا سَفَهٌ ولا باطلٌ ذلك تقديرُ العزيز العليم. وقال تعالى :
{إِنَّا أَنزَلْنَـاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِي حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } [القدر: 1- 5]
الْقَدرُ بمعنَى الشرفِ والتعظيم أوْ بمعنى التقديرِ والقضاءِ لأنَّ ليلةَ القدر شريفةٌ عظيمةٌ يقدِّر الله فيها ما يكون في السنةِ ويقضيهِ من أمورِهِ الحكيمةِ {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يعني في الفضل والشرفِ وكثرةِ الثواب والأجر ولذلك كانَ مَنْ قامَهَا إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} الملائكة عبادٌ من عباد الله قائمون بعبادته ليلاً ونهار
{لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } [الأنبياء: 19، 20]
يتنزلون في ليلة القدر إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة {وَالرُّوحُ} هو جبريل عليه السلام خصَّه بالذكر لشرفه وفضله {سَلامٌ هِي} يعني أن ليلة القدر ليلةُ سلامَ للمؤمنين من كل مخوف لكثرة من يعتقُ فيها من النار ويَسْلمُ مِنْ عذابِها {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } يعني أن ليلة القدرِ تنتهي بطلوعِ الفجرِ لانتهاءِ عملِ الليلِ به وفي هذه السورةِ الكريمةِ فضائلُ متعددةٌ لليلةِ القدرِ :

الفضيلةُ الأولى : أن الله أنزلَ فيها القرآنَ الَّذِي بهِ هدايةُ البشرِ وسعادتُهم في الدُّنَيا والآخرِهِ

الفضيلةُ الثانيةُ : ما يدُل عليه الاستفهامُ من التفخيم والتعظيم في قولِه : {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ }

الفضيلةُ الثالثةُ : أنَّها خيرٌ مِنْ ألفِ شهرٍ

الفضيلةُ الرابعةُ : أنَّ الملائكةَ تتنزلُ فيها وهُمْ لاينزلونَ إلاَّ بالخيرِ والبركةِ والرحمةِ

الفضيلةُ الخامسةُ : أنها سَلامٌ لكثرةِ السلامةِ فيها من العقابِ والعذابِ بما يقوم به العبدُ من طاعةِ الله عزَّ وجلَّ

الفضيلة السادسةُ : أنَّ الله أنزلَ في فضِلِها سورةٌ كاملةً تُتْلَى إلى يومِ القيامةِ

ومن فضائل ليلةِ القدرِ ما ثبتَ في الصحيحين من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه أن النبيَّ صل الله عليه وسلّم قالَ :
«من قَامَ ليلةَ القدرِ إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه»
فقوله إيماناً واحتساباً يعني إيماناً بالله وبما أعدَّ اللهُ من الثوابِ للقائمينَ فيهَا واحتساباً للأجرِ وطلب الثواب وهذا حاصلٌ لمنْ علِمْ بها ومَنْ لم يعلَمْ لأنَّ النبي صل الله عليه وسلّم لَمْ يَشْترطِ العلمَ بهَا في حصولِ هذا الأجر

وليلةُ القدرِ في رمضانَ لأنَّ الله أنزلَ القرآنَ فيهَا وقد أخْبَرَ أنَّ إنزالَه في شهرِ رمضانَ قال تعالى :
{إِنَّا أَنزَلْنَـاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر:1]
وقال :
{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } [البقرة:185]
فبهذا تَعَيَّن أنْ تكونَ ليلةُ القدرِ في رمضانَ وهي موجودةٌ في الأمَم وفي هذه الأمةِ إلى يومِ القيامةِ لما روى الإِمامُ أحْمَدُ والنسائيُّ عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه أنه قال :
«يا رسولَ الله أخْبرنِي عن ليلةِ القَدْرِ أهِي في رمضانَ أمْ في غيرهِ؟ قال : بلْ هِي في رمضانَ قال : تكونُ مع الأنبياءِ ما كانُوا فإذا قُبِضُوا رُفِعَتْ أمْ هي إلى يومِ القيامةِ؟ قال : بل هي إلى يوم القيامة» [رواه أيضا الحاكم وقال : حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ونقل عن الذهبي أنه أقره والله أعلم]
لَكِنْ فضلُها وأجْرُها يختَصُّ والله أعَلْمُ بهذه الأمةِ كما اختصتْ هذه الأمة بفضيلة يوم الجمعة وغيرها من الفضائل ولله الحمدِ
وليلةُ القَدْر في العشر الأواخر من رمضانَ لقول النبيِّ صل الله عليه وسلّم : «تَحَرِّوا ليلةَ القدرِ في العشرِ الأواخر من رمضانَ» متفقٌ عليه
وهي في الأوْتار أقْرب من الأشفاعِ لقولِ النبيِّ صل الله عليه وسلّم : «تحروا ليلةَ القدرِ في الْوِترِ من العشرِ الأواخر من رمضان» رواه البخاري

وهي في السَّبْعِ الأواخرِ أقْرَبٌ لحديث ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ رجالاً من أصحاب النبيِّ صل الله عليه وسلّم أُرُوا ليلةَ القدرِ في المنام في السبعِ الأواخر فقال النبيُّ صل الله عليه وسلّم :
«أرَى رُؤياكُمْ قد تواطأت (يعني اتفقت) في السبعِ الأواخرِ فمن كانَ مُتَحرِّيَها فَلْيتحَرَّها في السبعِ الأواخرِ» متفق عليه
ولمسلم عنه : أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«التمِسُوَها في العشر الأواخر (يعني ليلةَ القدْرِ) فإن ضعف أحدُكم أو عجز فلا يُغْلَبَنَّ على السبعِ البواقِي»
وأقربُ أوْتارِ السبعِ الأواخرِ ليلةُ سبعٍ وعشرينَ لحديثِ أبيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال :
«والله لأعلم أيُّ ليلةٍ هي الليلةُ التي أمرنا رسول الله صل الله عليه وسلّم بقيامِها هي ليلةُ سبعٍ وعشرينَ» رواه مسلم
ولا تَخْتَصُّ ليلةُ القدرِ بليلةٍ معينةٍ في جميعِ الأعوامِ بل تَنتَقِّلُ فتكونُ في عامٍ ليلةَ سبع وعشرينَ مثلاً وفي عام آخرَ ليلة خمسٍ وعشرينَ تبعاً لمشيئةِ الله وحكمتِه ويدُلُّ على ذلك قولُه صل الله عليه وسلّم : «الُتمِسُوها في تاسعةٍ تبقى في سابعةٍ تبقَى في خامسةٍ تبقَى» رواه البخاري
قال في فتح الباري : أرجح الأقوال أنها في وترٍ من العشرِ الأخيرِ وأنها تَنْتَقِلُ أهـ

وقد أخُفَى الله سبحَانه عِلْمَها على العبادِ رحمةً بهم ليَكْثُر عملُهم في طلبها في تلك الليالِي الفاضلةِ بالصلاةِ والذكرِ والدعاءِ فيزدادُوا قربةً من الله وثواباً، وأخفاها اختباراً لهم أيضاً ليتبينَ بذلك مَنْ كانَ جادَّاً في طلبها حريصاً عليها مِمَّنْ كانَ كسلانَ متهاوناً فإنَّ مَنْ حرصَ على شيءٍ جدَّ في طلبِه وهانَ عليه التعبُ في سبيلِ الوصولِ إليهِ والظَفر به وربَّما يظهرُ اللهُ عِلْمَهَا لبعضِ الْعبَادِ بأماراتٍ وعلاماتٍ يرَاهَا كما رأى النَبيُّ صل الله عليه وسلّم علامتَها أنه يسجُدُ في صبيحتِها في ماءٍ وطينٍ فنزل المطرُ في تلك الليلةِ فسجد في صلاةِ الصبحِ في ماءٍ وطينٍ

إخواني : ليلةُ القدرِ يُفْتح فيها الْبَاب ويقرَّبُ فيها الأحْبَابُ ويُسْمَع الخطابُ ويردُّ الجواب ويُكْتَبُ للعاملينَ فيها عظيمُ الأجرِ ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألف شَهْر فاجتهدُوا رحمكم الله في طلبِها فهذَا أوانُ الطَّلب واحذَرَوا من الغفلةِ ففي الغفلة العَطَب

تَوَلَّى العُمُر في سهو وفي لَهْوٍ وفي خُسْر
فيا ضيعةَ ما أَنْفَقْـ ـتُ في الأيام من عُمْري
وما لِي في الَّذِي ضيَّعْـ ـتُ من عمريَ من عُذْرِ
فما أغْفَلَنَا عن واجبـ ـاتِ الحمدِ والشكرِ
أمَا قد خَصَّنا اللهُ بشهرٍ أيِّما شهرِ
بشهرٍ أنْزَلَ الرحمـ ـنُ فيهِ أشرفَ الذِّكْرِ
وهل يُشبِهُه شهرٌ وفيه ليلةُ القدرِ
فكمْ مِنْ خَبرٍ صَحَّ بما فِيها من الخير

رَوَيْنَا عن ثقاتٍ أنَّهـ ـا تُطْلَبُ في الوِتر
فطُوبى لأمْرىءٍ يطلُـ ـبُهَا في هِذِه العَشرِ
فَفِيْهَا تنزلُ الأملاكُ بالأنوار والبرِ
وقد قَالَ سلامٌ هيَ حتى مَطْلعِ الفجرِ
ألاَ فادَّخِروها إنِّـ ـها من أنْفَسِ الذُّخر
فكمْ مِنْ مُعْتَقٍ فيها من النارِ ولا يَدْرِي

اللَّهُمَّ اجْعلْنَا ممن صامَ الشهر وأدركَ ليلةَ القدرِ وفاز بالثوابِ الجزيلِ الأجرِ
اللَّهُمَّ اجْعلْنَا من السابقينَ إلى الخيراتِ الهاربينَ عن المنكَرات الآمنينَ في الغرفات مع الَّذِينَ أنعمتَ عليهم وَوَقَيْتَهُمْ السيئاتِ اللَّهُمَّ أعِذْنا من مُضلاَّتِ الفتنِ وجنبنا الفواحشَ ما ظهَرَ منها وما بطَن
اللَّهُمَّ ارزُقْنَا شكرَ نعمتِك وحسنَ عبادتكَ واجْعلْنَا من أهل طاعتِك وولايتك وآتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنَا عذَابَ النار واغفر لنَا ولوالِدِينا ولِجميعِ المسلمينَ برحمتك يا أرحمَ الرَّاحمين وصلَّ الله وسلَّم على نبيِّنَا محمدٍ وعلى آلِهِ وصحبه أجمعين


المجلس الثالث والعشرون
وصف الجنة جعلنا الله من أهلها


الحمدُ لله مبلِّغ الراجِي فوق مأمولِه ومعطي السائِل زيادةً على سُؤلِه المنَّانِ على التائب بصَفحِه وقَبولِه خَلق الإِنسانَ وأَنشأَ داراً لِحُلُولِه وجعل الدنيا مرحلةً لِنُزولِه فتوَطَّنها مَنْ لم يعرفْ شَرفَ الأخرى لخُمُوُلِه فأخذَ منها كارهاً قبل بلوغِ مأموله ولم يُغْنِه ما كسَبه من مالٍ وولدٍ حتى انهْزَم في فُلولِه أوَ مَا تَرى غِربانَ الْبَين تَنُوحُ على طُلُولِه أمَّا الموفَّقُ فَعَرَفَ غرورَها فلمْ ينخدِع بمُثُولِه وسابَقَ إلى مغفرةٍ من الله وجنةٍ عرضُها السماء والأرضُ أعِدَّتْ للذينَ آمنوا بالله ورسولِه وأشْهدُ أنْ لا إِله إِلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له شهادةَ عارفٍ بالدليلِ وأصُولِه وأشْهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ما ترَدَّد النسيمُ بين شمالِه وجنوبِه ودَبُورِه وقَبولِه صلَّ الله عليه وعلى أبي بكر صاحبِه في سفرِهِ وحلولِه وعلى عمرَ حامِي الإِسلامِ بسيفٍ لا يخافُ من فُلولِه وعلى عثمانَ الصابرِ على البلاءِ حينَ نزولِه وعلى عليٍّ الماضِي بشجاعتِه قبلَ أن يصولَ بنصُولِه وعلى آلِه وأصحابِه والتابعينَ لهم بإحسانٍ ما امتَدَّ الدهرُ بِطُوله، وسلَّم تسليماً

إخواني : سارعُوا إلى مغفرةٍ من ربكم وجنةٍ عرضُها كعرضِ السماءِ والأرض فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعتْ ولا خَطرَ على قلبِ بشرٍ. قال الله تعالى :
{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا } [الرعد: 53]
وقال تعالى :
{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَـارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـارِبِينَ وَأَنْهَـارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ } [محمد: 15]
وقال تعالى :
{وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ } [البقرة: 25]
وقال تعالى :
{ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا } [الإِنسان: 14 -20]
وقال تعالى :
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } [الغاشية: 10 -16]
وقال تعالى :
{يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } [الحج: 23]، وقال تعالى: {عَـالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَـاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } [الإِنسان: 21]
وقال تعالى :
{ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } [الرحمن: 76]، وقال تعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الاَْرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } [الإِنسان: 13]
وقال تعالى :
{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّـتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَـابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَـاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَـاكِهَةٍ ءَامِنِينَ } [الدخان: 51 55]
وقال تعالى :
{ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَـافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَبٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـالِدُونَ } [الزخرف: 70 -74]
وقال تعالى :
{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ } [الرحمن: 56 58]
وقال تعالى :
{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * حُورٌ مَّقْصُورَتٌ فِى الْخِيَامِ } [الرحمن: 70 72]
وقال تعالى :
{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [السجدة: 17]
وقال تعالى :
{لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلائِكَ أَصْحَـابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [يونس: 26]
فالْحُسنَى هي الجنةُ لأنَّهُ لا دارَ أحسنُ منها والزيادةُ هي النظرُ إلى وجهِ الله الكريمِ رزقَنَا الله ذلك بِمنِّهِ وكرمِه والآياتُ في وصفِ الجنةِ ونعيمها وسرورها وأنْسِهَا وحبُورِها كثيرةٌ جداً

وأما الأحاديثُ فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قُلْنَا : يا رسولَ الله حدِّثنَا عن الجنةِ ما بناؤُهَا قال :
«لَبِنَةٌ ذهبٍ ولبنةٌ فضةٍ ومِلاَطُها المسكُ وحَصباؤها اللؤلؤُ والياقوتُ وترابُها الزَعفرانُ مَنْ يدخلُها ينعمُ ولا يبأسُ ويخلُدُ ولا يموتُ لا تَبْلَى ثيابه ولا يَفْنى شبابُه» رواه أحمد والترمذي وعن عِتَبةَ بن غزوانَ رضي الله عنه أنه خطَب فحمد الله وأثْنَى عليه ثم قالَ :
«أمَّا بعدُ فإن الدنيا قد آذَنَتْ بِصُرْمِ ووَلَّتْ حذَّاءَ ولم يبْقَ منها إلا صُبابةٌ كصُبابةِ الإِناء يصطبُّها صاحبُها وإنَّكُمْ منتقِلونَ منها إلى دارٍ لا زوالَ لها فانتقلوا بخير ما يَحْضُرَنكُمْ ولَقَدْ ذُكِرَ لنا أنَّ مِصراعينِ منْ مصاريعِ الجنةِ بيْنَهما مسيرةُ أربعينَ سَنَةً وليأتِينَّ عليه يومٌ وهو كَظِيظٌ مِنَ الزحامِ» رواه مسلم
وعن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صل الله عليه وسلّم قالَ :
«في الجنةِ ثمانيةُ أبوابٍ فيها بابٌ يسمَّى الريَّانَ لا يدخلُه إلا الصائمون» متفق عليه
وعن أسامةَ بن زيدٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صل الله عليه وسلّم قال :
«ألاَ هَلْ من مُشَمِّرٍ إلى الجنةِ فإنَّ الجنةَ لا خطر لها [أي لا مثيل له ولا عديل] هي وَرَبِّ الكعبةِ نورٌ يَتَلأْلأُ وريحانةٌ تَهْتزُّ وقصرٌ مشِيدٌ ونهرٌ مطَّردٌ وثَمَرةٌ نضِيْجَةٌ وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ وحُلَلٌ كثيرةٌ ومُقَامٌ في أبدٍ في دارٍ سليمةٍ وفاكهةٌ وخضرةٌ وحَبْرةٌ ونعمةٌ في مَحَلَّةٍ عاليةٍ بهيَّةٍ قالوا: يا رسولَ الله نحن المشمِّرون لها قال : قولوا إنْ شاء الله. فقال القوم : إنْ شاء الله» رواه ابن ماجةَ والبيهقيُّ وابنُ حبَّانَ في صحيحه [إسناده ضعيف]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي صل الله عليه وسلّم قال :
«إن في الجنةِ مئة درجةٍ أعَدَّها الله للمجاهدِين في سبيلِه بينَ كلِّ درجتين كما بينَ السماءِ والأرض فإذَا سألتُمُ الله فأسألُوه الفِرْدوسَ فإنَّهُ وسطُ الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجَّرُ أنهار الجنة وفوقَه عرشُ الرحمنِ» رواه البخاريُّ
وله عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إن أهْلَ الجنةِ يَتراءَوْنَ أهل الغرَفِ فوقَهم كما تَتَراءَوْنَ الكوكبَ الدُّرِّيَّ الغابرَ في الأفُق من المشرق أو المغرب لتفاضلِ ما بيْنَهم قالوا : يا رسولَ الله تلك مَنازلُ الأنبياءِ لا يبلغُها غيرُهم قال : بَلَى والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ رجالٌ آمنوا بالله وصدَّقُوا المرسلينَ»
وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إن في الجنةِ غُرَفاً يُرَى ظاهرُها من باطِنُها وباطنُها مِن ظاهرِها أعَدَّها الله لمَنْ أطْعَمَ الطعامَ وأدامَ الصيامَ وصلَّى بالليلِ والناس نيامٌ» أخرجه الطبراني [رواه أيضاً الإمام أحمد بزيادة : "وألان الكلام"]
وعن أبي موسَى رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قالَ :
«إنَّ للمؤمِن في الجنة لخيمةً من لؤلؤة واحدةٍ مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلُون يطوفُ علِيهمْ فلا يَرَى بعضُهم بعضاً» متفق عليه
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ تدخلُ الجَنةَ على صُورةِ القمر ليلةَ البدْرِ ثم الذينَ يلونَهُمُ على أشَدِّ نجمِ في السماءِ إضاءةً ثم همْ بعَدَ ذلك منازلُ لا يتَغَوَّطُونَ ولا يبولُونَ ولا يمتخِطون ولا يبصُقون أمشاطُهُم الذهبُ ومجامِرُهم الأُلوَّة ورشْحُهمُ المِسْكُ أخلاقُهم على خَلْقِ رجلٍ واحدٍ على طولِ أبيْهم آدمَ ستُون ذِراعاً»
وفي روايةٍ : «لا اختلافَ بينَهم ولا تباغِضَ، قلوبُهُم قلبٌ واحدٌ يسبِّحونَ الله بُكرةً وعشِياً» وفي روايةٍ : «وأزُواجُهُم الحورُ العِين»
وله مِن حديث جابر رضي الله عنه أن النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إن أهل الجنةِ يَأكلُون فيها ويشْرَبُون ولا يتفُلُون ولا يبُولونَ ولا يَتَغَوَّطونَ ولا يمْتَخِطون قالوا : فما بالُ الطعام؟ قال : جُشاءٌ ورَشْحٌ كَرشحِ المسكِ يُلْهَمُونَ التسبيحَ والتحميدَ كما يُلْهَمُونَ النَّفس»
وعن زيدِ بن أرقمَ رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه وسلّم قال :
«والذي نفسُ محمدٍ بيدِه إن أحدَهُمْ (يعني أهل الجنةِ) ليُعْطَى قوةَ مئةِ رجلٍ في الأكل والشرب والجماعِ والشهوةِ تكون حاجةُ أحدهم رَشْحاً يفيض مِنْ جلودهم كرشْحِ المسْكِ فَيَضْمُر بطنه» أخرجه أحمد والنسائي [قال المنذري في الترغيب والترهيب : رواته محتج بهم في الصحيح ورواه الطبراني بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم]
وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«لقاب قوسِ أحدِكم أو موضعِ قدمٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيهَا ولَوْ أنَّ امرأةً من نساءِ الجنة اطلعتْ إلى الأرض لأضاءت ما بيْنَهُمَا ولملأت ما بينهما ريحاً ولنَصِيِفُها (يعني الخمارَ) خيرٌ من الدنيا وما فيها» رواه البخاري
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إنَّ في الجنة لسُوقاً يأتونَها كُلَّ جمعةٍ فتَهبُّ ريحُ الشَّمالِ فتحثو في وجوهِهِم وثيابِهم فيزدادُونَ حُسناً وجَمَالاً فيرجعونَ إلى أهلِيْهمْ فيقولُونَ لهم : والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون : وأنتم والله لقد ازددتم بعدَنا حسنا وجمالاً» رواه مسلم
وله عن أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قالَ :
«إذا دخل أهل الجنةِ الجنة ينادِي منادٍ : إن لكمْ أنّ تَصِحُّوا فلا تَسْقموا أبداً وإن لكم أن تَحْيَوْا فلا تموتوا أبداً وإنَّ لكم أن تشِبُّوا فلا تَهرموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً وذلك قولُ الله عز وجل :
{وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الأعراف: 43]»
وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«قال الله عزَّ وجلَّ : أعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ مَا لاَ عَيْنٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بَشَر وأقْرَؤوا إن شئتُم
{فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [السجدة: 17]»
وعن صُهَيب رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادىَ منادٍ يا أهلَ الجنةِ إن لكم عندَ الله مَوْعِداً يريدُ أن يُنْجِزَكُمُوهُ فيقولونَ : ما هُو ألَمْ يُثَقِّلْ موازينَنَا ويُبَيِّضْ وجوهَنا ويدخلْنا الجنةَ ويزحْزحْنا عن النار؟ قال : فيكشفُ لهم الحِجَاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحبَّ إليهمْ من النظرِ إليه ولا أقَرَّ لأعينِهم منهُ» رواه مسلمٌ
وله من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ الله يقول لأهلِ الجنةِ :
«أحِلُّ عليكم رضوانِي فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبداً»

اللَّهُمَّ ارزقنا الخُلْدَ في جنانِك وأحِلَّ علينا فيها رضوانَك وارزقْنا لَذَّة النظرِ إلى وجهك والشوقَ إلى لقائك من غيرِ ضرَّاءَ مُضِرَّة ولا فتنةٍ مُضلةٍ
اللَّهُمَّ صلِّ وسلَّم وبارِكْ على عبدِك ونبيِّك محمدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِه أجمعين

المجلس الرابع والعشرون

أوصاف أهل الجنة

ـ جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه ـ

الحمدُ لله الَّذِي كوَّنَ الأشياءَ وأحْكمهَا خَلْقاً، وفتقَ السموات والأرضَ، وكانتا رَتْقاً، وقسَّمَ بحكمتِه العبادَ فأسعدَ وأشْقى، وجعلَ للسعادةِ أسباباً فسَلكهَا منْ كانَ أتْقَى، فَنَظَر بعينِ البصيرةِ إلى العواقبِ فاختارَ ما كَان أبْقَى، أحمدُه وما أقْضِي له بالحمدَ حقَّاً، وأشكُره ولم يزَلْ لِلشُّكر مستحِقَّاً، وأشْهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ الله وحده لا شريكَ له مالكُ الرقاب كلِّها رِقَّاً، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه أكمل البشر خُلُقاً وخَلْقَاً صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصديق الحائز فضائلَ الأتباعِ سَبْقاً، وعلى عُمرَ العادلِ فما يحابِي خَلْقاً، وعلى عثمانَ الَّذِي استسْلَمَ للشهادةِ وما تَوَقَّى، وعلى عليٍّ بائعِ ما يَفْنَى ومشترِي ما يبْقى، وعلى آلِهِ وأصحابِه الناصرينَ لدينِ الله حقاً، وسلَّمَ تسليماً

إخواني : سمعتْمْ أوصافَ الجنةِ ونعيمَها وما فيها من السرورِ والفرحِ والحبورِ، فوالله إنَّها لجديرةٌ بأنْ يَعْملَ لها العاملُون، ويتنافَس فيها المتنافِسُونَ، ويُفْنِي الإِنسانُ عمرَه في طَلبهَا زاهداً في الدُّون، فإنْ سألتُمْ عن العمل لها والطريقِ الموصل إليها فقد بيَّنه اللهُ فيما أنزلُه من وحيهِ على أشرفِ رسله. قال الله عزَّ وجلَّ: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَـاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَـاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَـافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [آل عمران: 133 135]

فهذه عدة أوصاف من أوصاف أهل الجنة :

الوصفُ الأوّلُ : (الْمُتَّقِينَ) وهم الذين اتَّقوا ربَّهم باتخاذ الوقايةِ من عذابهِ بفعلِ ما أمَرهم بهِ طاعةً له وَرَجَاءً لثوابِه، وتركِ ما نهاهُمْ عنه طاعةً لَهُ وخوفاً من عقابه

الوصفُ الثاني : (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ) فهُمْ ينفقونَ ما أمِروا بإنفاقِه على الوجهِ المطلوبِ منهمْ مِنَ الزكاةِ والصدقاتِ والنفقاتِ على مَنْ له حقٌ عليهم والنفقاتِ في الجهادِ وغيره من سُبُل الخيرِ ينفقونَ ذلك في السَّراءِ والضَّراءِ لا تحملهم السَّراءُ والرَّخاءُ على حُبِّ المالِ والشحِّ فيهِ طمَعاً في زيادتِه، ولا تحملُهم الشِّدةُ والضراءُ على إمساكِ المالِ خوفاً من الحاجةِ إليهِ

الوصفُ الثالثُ : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) وهم الحابِسُونَ لغَضَبِهم إذا غضِبُوا فلا يعْتَدون ولا يحقِدون على غيرِهم بسببه

الوصفُ الرابعُ : (وَالْعَـافِينَ عَنِ النَّاسِ) يعْفُون عمَّنْ ظلَمهم واعتَدَى عليهمْ فلا ينتقمون لأنفسِهم مع قدْرَتِهِم على ذلك وفي قوله تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } إشارةٌ إلى أنَّ العفَوَ لا يُمْدَح إِلا إذا كان من الإِحسانِ وذلكَ بأن يقعَ مَوْقِعَهُ ويكونَ إصلاحاً. فأما العفوُ الَّذِي تزدادُ بِه جريمةُ المعتدِي فليس بمحمودٍ ولا مأجورٍ عليه. قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } [الشورى: 40]

الوصفُ الخامسُ : (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ) الفاحشةُ ما يُسْتَفْحَشُ من الذنوبِ وهي الكبائرُ كقتلِ النفسِ المُحَرَّمَةِ بغيرِ حقٍّ وعقوقِ الوالدين وأكل الرِّبا وأكل مالِ اليتيمِ والتَّوَلِّي يومَ الزَّحفِ والزِّنَا والسرقةِ ونحوها من الكبائرِ. وأمَّا ظُلْمُ النفس فهوَ أعَمُّ فيشمَلُ الصغائرَ والكبائِرَ. فهمْ إذا فَعَلُوا شيئاً من ذَلِكَ ذَكرُوا عظمةَ مَنْ عَصَوْه فخافوا منه، وذَكرُوا مغفرتَه ورحمتَه فَسَعَوْا في أسبابِ ذلك فاسْتَغْفَروا لذنوبهم بطلب سترِها والتجاوزِ عن العقوبةِ عليها وفي قوله: (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ) إشارةٌ إلى أنهم لا يَطلبُونَ المغفرةَ من غيرِ اللهِ لأنَّه لا يغفرُ الذنوبَ سِواه

الوصفُ السادسُ : (وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) أي لم يسْتَمِرُّوا على فعلِ الذنبِ وهم يعْلَمون أنَّه ذنبٌ ويَعْلَمُون عظمةَ من عصَوْه ويَعلَمونَ قُرْبَ مغفرَتِه بل يبادِرون إلى الإِقلاع عنه والتوبةِ منه. فالإِصرارُ على الذنوب مع هذا العلمِ يجعلُ الصغائرَ كبائرَ ويتدرَّجُ بالفاعلِ إلى أمورٍ خطيرةٍ صعبةٍ. وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذلِكَ فأولئك هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَـافِظُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـالِدُونَ } [المؤمنون: 1 -11]
فهذه الآياتُ الكريمةُ جمَعَتْ عِدَّةَ أوصافٍ مِن أوصافِ أهلِ الجنةِ:

الوصفُ الأولُ : (الْمُؤْمِنُونَ ) الذين آمَنُوا بالله وبكلِّ ما يجبُ الإِيمانُ به مِن ملائكةِ الله وكتبِه ورسلِهِ واليومِ الآخرِ والقدرِ خيرهِ وشرِّه، آمَنُوا بِذَلِكَ إيماناً يستلزمُ القبولَ والإِذعانَ والانقيادَ بالقولِ والعمل

الوصفُ الثاني : (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَـاشِعُونَ ) حاضرةٌ قلوبُهم ساكنةٌ جوارحُهم يستحضرون أنهم قائمونَ في صلاتهِم بينَ يدي الله عزَّ وجلَّ يخاطِبونَّهُ بكلامه، ويتقربُون إليهِ بذكرهِ، ويَلجؤُون إليه بدعائِه، فهم خاشعُون بظواهِرِهم وبواطِنِهم

الوصفُ الثالثُ : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ ) واللَّغْوُ كلُّ ما لا فائدة فيهِ ولا خيرَ من قولٍ أو فعلٍ، فهم معرضونَ عنه لقوةِ عزيمتِهم وشِدَّةِ حْزمِهم لا يُمضُونَ أوقاتَهم الثمينةَ إلاَّ فيما فيه فائدةٌ، فَكَمَا حفظُوا صلاتَهم بالخشوعِ حفظُوا أوقاتَهم عن الضياع وإذا كانَ مِنْ وصفِهم الإِعراض عن اللَّغوِ وهو ما لا فائدةَ فيه فإعراضُهَم عما فيه مضرةٌ من باب أوْلى

الوصفُ الرابعُ : (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاة فَـاعِلُونَ ) يحتملُ أنَّ المرادَ بالزكاةِ القسطُ الواجبُ دفعُه من المالِ الواجبِ زكاتُه، ويحتملُ أنَّ المرادَ بها كلُّ ما تَزْكُوْ به نفوسُهم من قولٍ أو عمل

الوصفُ الخامسُ : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) فهم حَافِظُون لفُروجِهم عَنِ الزِّنَا واللواطِ لما فيهما من معصيةِ الله والانحطاطِ الخُلُقِيِّ والاجتماعيِّ. ولعلَّ حفظَ الفرجِ يَشْمَلُ ما هو أعَمُّ من ذلك فيشمَلُ حِفْظَهُ عن النظر واللمس أيضاً وفي قوله: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } إشارةٌ إلى أنَّ الأصْلَ لومُ الإِنسانِ على هذا الفعلِ إلاَّ على الزوجةِ والمملوكة لما في ذلك مِن الحاجة إليه لدفعِ مُقْتَضَى الطَبيعةِ وتحصيل النسل وغيرهِ من المصالحِ وفي عموم قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذلِكَ فأولئك هُمُ الْعَادُونَ } دليلٌ على تحريم الاستمناءِ الذي يُسَمَّى (العادة السريةَ) لأنه عملِيَّةٌ في غيرِ الزوجاتِ والمملوكاتِ

الوصفُ السادسُ : (وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَـانَـاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ) الأمانةُ ما يُؤتَمَنُ عليه مِنْ قولٍ أو فعلٍ أو عينٍ. فمن حدَّثَكَ بِسِرٍّ فقد ائتمنَكَ، ومنْ فعَل عندَك مَا لاَ يُحِبُّ الاطلاع عليه فقد ائتمنك ومن سلَّمكَ شيئاً من مالِه لِحِفْظِه فقد ائتمنك، والْعَهْدُ ما يلتزمُ به الإِنسانُ لغيرهِ كالنذرِ لله والعهودِ الجاريةِ بينَ الناس. فأهلُ الجنةِ قائمون برعايةِ الأماناتِ والعهدِ فيما بينَهم وبينَ الله وفيما بينهم وبينَ الخلق، ويدخلُ في ذلك الوفاءُ بالعقودِ والشروطِ المباحةِ فيها

الوصفُ السابعُ : (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) يُلازِمونَ على حفظِها من الإضاعةِ والتفريطِ، وذلك بأدَائِها في وقتِها على الوجهِ الأكملِ بشروطِها وأركانها وواجباتِها. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أوصافاً كثيرةً في القرآن لأهلِ الجنةِ سوى ما نقلناه هنا، ذَكَر ذَلِكَ سبحانَهُ ليتَّصفَ به مَنْ أرادَ الوصولَ إليهَا. وفي الأحاديثِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم من ذلك شيءٌ كثيرٌ

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ سَلَكَ طريقاً يلتمس فيه عِلْمَاً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة»، رواه مسلم. وله عنه أيضاً أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قالَ: «ألا أدلُّكم على ما يمحُو الله به الخطايَا ويرفعُ به الدرجاتِ؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله. قال: إسباغُ الوضوءِ على المَكَارهِ وكثرةُ الْخُطَا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ». وله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «ما مِنْكم مِنْ أحدٍ يتوضَّأُ فيُسْبغُ الوضوءَ ثم يقولُ أشهد أنْ لا إِله إلا الله وحده لا شريكَ له وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه إلا فُتِحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ يدخلُ من أيِّها شاءَ». وعن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً «فيمَنْ تَابعَ المؤذنَ من قلْبه دَخَلَ الجنةَ»، رواه مسلم

وعن عثمانَ بن عفَّانَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ بَنى مسجداً يبْتغِي به وجهَ الله بَنَى الله لَهُ بيتاً في الجنةِ»، متفق عليه. وعن عُبَادة بن الصامتِ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ على العبادِ فمن جاءَ بهِنَّ ولم يُضَيِّعْ منهن شيئاً استخفافاً بحقِّهن كان له عندَ الله عهداً أنْ يدخلَه الجنةَ»، رواه الإِمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائي [له طرق يقوى بعضها بعضاً]

وعن ثَوْبَانَ رضي الله عنه أنَّه سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلّم عن عَمَلٍ يدخلُه الله به الجنةَ فقالَ: «عليكَ بكثْرَة السجودِ فإنكَ لا تسجد لله سجدةً إلاَّ رَفَعَكَ الله بها درجةً وحطَّ عنك بها خطِيئةً»، رواه مسلم. وعن أمِّ حبيبةَ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «ما مِنْ عبدٍ مسلمٍ يصلَّي لله تعالى في كلِّ يومٍ اثنتي عَشْرَة ركعةً تطوُّعاً غيرَ فريضةٍ إلاَّ بَنَى الله له بيتاً في الجنةِ»، رواه مسلم. وهنَّ أربعٌ قبلَ الظهر، وركعتانِ بعدَها، وركعتانِ بعدَ المغربِ، وركعتانِ بعدَ العشاءِ، وركعتانِ قبلَ صلاة الصبح.
وعن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه أنه قالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلّم : أخْبِرنِي بعملٍ يدخلُني الجنةَ ويباعدُني عن النارِ. قال: «لقد سَألْتَ عن عظيمٍ وإنه لَيَسيرٌ على منْ يسَّرَهُ الله عليه، تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ، وتؤتِي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيت»، (الحديث) رواه أحمدُ والترمذيُّ وصححه. وعن سهلِ بنِ سعدٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ في الجنةِ باباً يقالُ له الريَّانُ يدخلُ منه الصائِمون يومَ القيامةِ لا يدخل منه أحدٌ غيرُهُمْ» (الحديث) متفق عليه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «العمرةُ إلى العمرةِ كفارةٌ لما بينهما، والحجُ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة»، متفق عليه. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَنْ كان له ثلاثُ بناتٍ يُؤْوِيهنَّ ويرحمهنَّ ويَكفَلُهُنَّ وَجَبَتْ له الجنةُ الْبَتَّةَ. قيل: يا رسولَ الله فإن كانتا اثنتين قال: وإن كانتا اثنتين. قال: فَرَأى بعض القومِ أن لو قالَ: واحدةً لقالَ واحدة»، رواه أحمد [إسناده ضعيف لكن له شواهد صحيحة منها قوله صل الله عليه وسلم : " من ابتلى من البنات بشيئ فأحسن إليهن كن له ستراً من النار" رواه مسلم]
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم سُئِلَ عن أكثر ما يُدْخِلُ الجنةَ، فقال: «تَقْوى اللهِ وحسنُ الْخُلق»، رواه الترمذيُّ وابنُ حِبَّانَ في صحيحه [إسناده ليس بذلك لكن متنه صحيح]
وعن عياض بن حمارٍ المجاشعيِّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قال: «أهلُ الجنةِ ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مُقْسطٌ متصدِّقٌ موفقٌ، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلبِ لكل ذِي قُرْبَى، ومُسْلِمٌ عَفِيفٌ متَعفِّفٌ ذو عيالٍ» رواه مسلم في حديث طويل

فهذه أيُّها الإِخوان طائفةٌ من أحاديثِ النبيِّ صل الله عليه وسلّم تُبَيِّنُ شيئاً كثيراً من أعْمالِ أهْلِ الجنةِ لمنْ أرادَ الوصولَ إليها

أسْأل الله أن يُيَسِّرَ لنَا وَلَكُمْ سُلوكَها ويُثَبتَنَا عليها إنهُ جوادٌ كريمٌ وصلَّ الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وآلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ



المجلس الخامس والعشرون
وصف النار

أعاذنا الله منها
الحمدُ لله الحيِّ القيومِ الباقِي وغيْرُه لا يدوم رَفَعَ السماءَ وزيَّنَها بالنجوم وأمْسَك الأرض بجبالٍ في التُّخوم صوَّر بقدرتِه هذه الجُسوم ثمَّ أماتها ومحا الرُّسوم ثم ينفخُ في الصُّورِ فإذا الميْتُ يقُوم ففريقٌ إلى دار النعيمِ وفريقٌ إلى نارِ السَّمومِ تفْتَحُ أبوابُها في وجوهِهِم لكلِّ بابٍ منهم جزْءٌ مقسوم وتُوْصَدُ عليهم في عَمَدٍ ممَدَّدَةٍ فيها للهمُوم والغُموم يوم يغْشاهُمُ العذاب مِنْ فوقِهم ومن تحتِ أرجُلِهمْ فما منهم مرْحُوم وأشهدُ أن لا إِله إِلاَّ الله وحده لا شريكَ له شهادةَ مَنْ للَنجاةِ يَرُوم وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الَّذِي فَتحَ الله بدينِه الْفُرْسَ والرُّوم صلَّ الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه ومن تبعهم بإحسانٍ ما هطَلَتْ الغُيوم وسلَّم تسليماً

إخواني : لقد حذَّرنا اللهُ تعالى في كتابه من النارِ وأخبرَنا عن أنواعِ عذابِها بما تَتَفَطَّرُ منه الأكبادُ وتتفجرُ منه القلوب حَذَّرنَا منها وأخْبَرَنا عن أنواع عذابِها رحمةً بنا لنزدَادَ حَذراً وخوْفاً فاسمَعوا ما جاء في كتاب الله تعالى وسنةِ رسولِهِ صل الله عليه وسلّم من أنْواع عذابِها لعلكم تذَكَّرُون وأنيبُوا إلى ربكم وأسلمُوا له من قبل أنْ يأتِيَكم العذابُ ثم لا تُنصرون
قال الله تعالى :
{وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَـافِرِينَ } [آل عمران: 131]
{إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً } [الإِنسان: 4]
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]
وقال تعالى مُخاطباً إبليسَ :
{إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } [الحجر: 42-44]
وقال تعالى :
{وَسِيقَ الَّذِينَ كَـفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71]
وقال تعالى :
{وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } [الملك: 6 8]
وقال تعالى :
{يَوْمَ يَغْشَـاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } [العنكبوت: 55]، وقال تعالى: {لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يعِبَادِ فَاتَّقُونِ } [الزمر: 16]
وقال تعالى :
{وَأَصْحَـابُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَـابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ } [الواقعة: 41-44]، وقال تعالى: {وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا } [التوبة: 81]
وقال تعالى :
{وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ } [القارعة: 10، 11]
وقال تعالى :
{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } [القمر: 47، 48]
وقال تعالى :
{وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ } [المدثر: 27-29]
وقال تعالى :
{يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]
وقال تعالى :
{إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَـالَةٌ صُفْرٌ } [المرسلات: 32، 33]
وقال تعالى :
{وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ } [إبراهيم: 49، 50]
وقال تعالى :
{إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَـاقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } [غافر: 71،72]
وقال تعالى :
{فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ } [الحج: 19- 22]
وقال تعالى :
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ } [النساء: 15]
وقال تعالى :
{إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِى فِي الْبُطُونِ * كَغَلْي الْحَمِيمِ } [الدخان: 43-46]
وقال في تلكَ الشجرةِ :
{إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَـاطِينِ } [الصافات: 64، 65]، وقال تعالى :
{ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ * فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشَـارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشَـارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هَـذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ } [الواقعة: 51-56]
وقال تعالى :
{وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29]
وقال تعالى :
{وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ } [محمد: 15]
وقال تعالى :
{وَيُسْقَى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } [إبراهيم: 16، 17]
وقال تعالى :
{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـالِدُونَ * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَـاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ هُمُ الظَّـالِمِينَ * وَنَادَوْاْ يامـالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّـاكِثُونَ } [الزخرف: 74 77]
وقال تعالى :
{مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } [الإِسراء: 97]
وقال تعالى :
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَـالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً } [النساء: 168، 169]
وقال تعالى :
{وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبِ } [الأحزاب: 64، 65]
وقال تعالى :
{وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً} [الجن: 23]
وقال تعالى :
{وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } [الهمزة: 5-9]

والآياتُ في وصفِ النارِ وأنواعِ عذابِها الأليمِ الدائمِ كثيرةٌ
أما الأحاديثُ فعنْ عبدِالله بن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال : «يُؤتى بالنارِ يومَ القيامةِ لها سبعون ألفَ زمامٍ مع كلِّ زمامٍ سبعون ألفَ ملَكٍ يجرُّونَها» رواه مسلم
وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«نَارُكم هذِه ما يُوقدُ بنُو آدمَ جُزْءٌ واحدٌ من سبعين جزءاً من نار جهنَّم قالوا : يا رسولَ الله إنَّها لَكَافيةٌ قال : إنها فُضِّلَتْ عليهَا بِتِسْعَةٍ وستينَ جزءاً كلُّهن مثلُ حرِّها»
وعنه رضي الله عنه قال : كنَّا عندَ النبيِّ صل الله عليه وسلّم فسَمِعنَا وَجبَةً فقال النبيُّ صل الله عليه وسلّم :
«أَتَدْرُونَ ما هَذَا؟ قلْنَا : الله ورسولُه أعلمُ قال : هذا حجرٌ أرْسَلَه الله في جهنَّمَ مُنْذُ سبعينَ خَريفاً (يَعْنِي سبعينَ سنةً) فالان حينَ انتَهَى إلى قعْرها» رواه مسلم
وقال عُتْبَة بنُ غَزوانَ رضي الله عنه وهو يَخْطب :
«لَقَدْ ذُكِرَ لنَا أنَّ الحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفِير جَهَنَّمَ فيهوي فيها سبعين عاماً ما يدركُ لها قَعْراً والله لتُمْلأنّ أفعَجِبْتُم؟» رواه مسلم
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«لَوْ أنَّ قطْرةً من الزَّقُّومِ قَطَرَتْ في دار الدُّنْيَا لأفْسَدَتْ على أهلِ الدنيا مَعَايِشَهُمْ» رواه النسائيُّ والترمذيُّ وابنُ ماجة [وأخرجه الحاكم وقال : صحيح على شرطهما]
وعن النعمانِ بن بَشِيرٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«إنَّ أهْوَنَ أهل النارِ عذاباً مَنْ لَهُ نَعْلانِ وشِرَاكانِ من نارٍ يَغلي منهما دماغُه كما يغلي المِرْجَل ما يَرَى أنَّ أحداً أشدُّ منهُ عَذَاباً وإنَّهُ لأهْونُهمْ عذاباً» رواه مسلم وللبخاريِّ نحوه

وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قالَ :
«يُؤتَى بأنْعَم أهل الدنيا مِنْ أهل النار فيُصْبَغُ في النارِ صَبْغَةً ثم يُقَال : يا ابنَ آدمَ هل رأيتَ خيراً قطُّ هل مَرَّ بكَ نعيمٌ قط؟ فيقولُ لا والله يا ربِّ ويؤْتَى بأشَدِّ الناسِ بؤساً في الدنيا مِنْ أهل الجنة فيصبغُ صبغةً في الجنة فيقال : يا ابن آدمَ هل رأيتَ بؤساً قط؟ هل مَرَّ بك من شدة قط؟ فيقولُ : لا والله يا ربِّ ما رأيتُ بؤساً ولا مرّ بِي مِنْ شدةٍ قَطُّ» رواه مسلم
يعني أنَّ أهل النارِ ينسُون كلَّ نعيمٍ مَرَّ بِهِم في الدُّنيا وأهْلَ الجنة ينسون كلَّ بؤْسٍ مرّ بهم في الدنيا
وعنه رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«يُقَالُ للرجلِ من أهل النارِ يومَ القيامةِ : أرأيْتَ لو كانَ لكَ ما على الأرض من شيء أكنتَ تفتدي به؟ فيقول : نعم قال : فيقول : قد أردتُ منكَ ما هُو أهْونُ من ذلكَ قد أخذتُ عَلَيْك في ظهرِ آدم أن لا تُشْرِكَ بي شيئاً فأبيتَ إلاَّ أنْ تشركَ بي» رواه أحمدُ ورواه البخاريُّ ومسلمٌ بنحوه وروى ابنُ مَرْدَوَيْهِ عن يَعْلِي بنِ مُنْيَة وهو ابنُ أمَيَّةَ ومنية أمُّهُ قال : «يُنْشِيءُ الله لأهل النار سحابةً فإذا أشْرَفَتْ عليهم نادَاهُمْ : يا أهل النَّارِ أيُّ شيءٍ تطلبون وما الَّذِي تسْألون فيذكرونَ بها سحائبَ الدنيا والماءَ الَّذي كان ينزلُ عليهم فيقولون : نَسْأَلُ يا ربِّ الشرابَ فيُمطرُهم أغلالاً، تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيدُ في سلاسِلِهم وجمراً يُلْهبُ النارَ عليهم»
وعن أبي موسى رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال :
«ثلاثةٌ لا يَدْخُلون الجنّةَ : مُدْمِنُ خمرٍ وقاطعُ رحم، ومُصدِّقُ بالسحرِ. ومَنْ مات مدمنَ الخمرِ سقاه الله من نَهْرِ الغوْطَةِ قيل : وما نهرُ الغوطةِ؟ قال : نهرٌ يجري من فروج المُومِسَاتِ يؤذي أهلَ النار ريحُ فروجهن» رواه أحمد [صححه الحاكم وأقره الذهبي]
وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صل الله عليه وسلّم قال : «إن على الله عهداً لمنْ شرب المسكرات لَيَسقيِه من طِينةِ الخبَالِ قالوا : يا رسولَ الله وما طينةُ الخبَالِ؟ قال : عَرقُ أهل النار أو عُصَارةُ أهلِ النارِ»
وفي الصحيحين عن النبيِّ صل الله عليه وسلّم أنَّه قال :
«يُقَال لليهودِ والنصارى ماذا تَبْغُون؟ فيقولونَ : عطِشْنَا ربَّنَا فأسقنا فيُشارُ إليهم : ألا تَرِدُوْنَ؟ فيُحْشَرونَ إلى جهنَم كأنها سرابٌ يحطِمٌ بعضُها بعضاً فيتَساقطونَ في النار»

قال الْحَسَنُ : ما ظَنُّك بقومٍ قاموا على أقدامهم خمسينَ ألْفَ سنةٍ لم يأكلوا فيها أكلةً ولم يشربوا فيها شربةً حتى انقطعت أعناقُهم عطشاً واحتَرقَتْ أجوافُهم جوعاً ثم انْصُرفَ بهم إلى النارِ فيُسْقَون من عينٍ آنِيَةٍ قد آنَ حَرُّها واشتد نُضْجُها

وقال ابن الجوزيِّ رحمه الله في وصفِ النار : دارٌ قَدْ خُصَّ أهلُها بالبِعادِ وحرمُوا لذةَ المُنَى والإِسْعاد بُدِّلَتْ وضاءةُ وجوهِهِم بالسَّواد وضُرِبُوا بمقَامِعَ أقْوى من الأطواد عليها ملائكةٌ غِلاظٌ شداد لو رأيتَهم في الحميمِ يسرحون وعلى الزمهرير يُطْرَحون فحزنُهم دائمٌ فما يفْرَحون مُقَامهُم محتومٌ فما يبْرَحون أبَدَ الآباد عليها ملائِكةٌ غلاظ شداد يبكُون على تضييع أوقات الشباب وكلَّما جَادَ البكاءُ زاد عليها ملائكة غلاظٌ شِداد يا حسرتهم لِغَضَبِ الخالق يا محنَتهُمْ لِعظَمِ البَوَائِق يا فضيحتَهم بين الخلائق على رؤوس الأشْهاد أينَ كسْبُهُم للْحُطام أينَ سعيُهم في الآثام كأنَّه كان أضغَاثَ أحْلام ثم أُحْرِقَتْ تلك الأجسام وكلما أحْرِقَتْ تُعَاد عليها ملائكةٌ غلاظٌ شِداد

اللَّهُمَّ نَجِّنا من النار وأعِذْنَا من دارِ الخزْيِ والْبَوَار وأسكنَّا برحمتِك دارَ المتقينَ الأبرار واغفرْ لنا ولوالِدِينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحمَ الراحمين وصلَّ الله وسلَّم على نبينا محمداً وعلى آله وصحبه أجمعين

ليست هناك تعليقات