موسوعة الرد على الشيعة الجزء الثانى الطعن فى الصحابة (شبهات و ردود 5)


حرق عمر لبيت فاطمة وهدم الباب عليها وإسقاطها جنينها ؟

لقد كذب الرافضة في قصة انتحلوها في هذا الباب

وملخصها :
أن أبا بكر رضي الله عنه آذى عليا لما امتنع من البيعة وأنه بعث إليه عمر بن الخطاب – أو من يسمى " قنفذ " كما في بعض الروايات عندهم - مع آخرين فهدموا بيت فاطمة بعد أن اقتحموه ثم حرقوه !
وأن عمر بن الخطاب ضغط فاطمة بين الباب والجدار فأسقط جنينها من بطنها !
وأنهم أخرجوا عليا بذل وهوان لإجباره على البيعة لأبي بكر
وكل ذلك كذب وبهتان ولا يقبل أن يصدقه إلا من كان مثلهم في الضلالة والبهيمية

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

ونحن نعلم يقينا أن أبا بكر لم يقدم على علي والزبير بشيء من الأذى بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولا وآخرا وغاية ما يقال :
إنه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه ثم رأى أنه لو تركه لهم لجاز فإنه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء وأما إقدامه عليهم أنفسهم بأذى :
فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين وإنما ينقل مثل هذا جهال الكذابين ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون إن الصحابة هدموا بيت فاطمة وضربوا بطنها حتى أسقطت وهذا كله دعوى مختلقة وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام
" منهاج السنة النبوية " 8 / 208

وقال رحمه الله أيضا :

ومنهم من يقول : إن عمر غصب بنت علي حتى زوجه بها !
وأنه تزوج غصبا في الإسلام !
ومنهم من يقول : إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت وهدموا سقف بيتها على من فيه
وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب فهم دائما يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى
"ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق"
(العنكبوت : 68)

فهم يفترون الكذب ويكذبون بالحق وهذا حال المرتدين
" منهاج السنة النبوية " 4 / 493

وبيان كذبهم من وجوه :

1. إن تعدي رجل واحد على امرأة يعد من الأمور المنكرة المستبشعة فكيف إذا كانوا مجموعة من الرجال ومن الصحابة وعلى ابنة النبي صل الله عليه وسلم ويتم حرق بيتها وإسقاط جنينها ؟!
فأنى لعاقل أن يصدق حصول تلك الحادثة مع سكوت الناس عنها وعدم مدافعتهم عن أخص بيت النبوة ؟!
ووالله لو حصل هذا مع عربي لعد عارا عليه ولعد مجرما غاية الإجرام لكن هؤلاء الكذبة حبكوا القصة بهذه الطريقة ليوهموا أتباعهم –والسذج ممن يستمع إليهم- أن الصحابة جميعا اشتركوا في الحادثة من باشر تنفيذها ومن سكت عنها !
وهو كذب رخيص يليق بعقولهم ويمشي على أتباعهم فقط لا على العقلاء

2. ثم إنهم ليخترعون قصصا وحكايات لعلي بن أبي طالب تدل على علمه بالغيب !

وعلى عظيم قوته وشجاعته فلماذا لم يحذر فاطمة من قدوم أولئك المفسدين ؟
وأين شجاعته وقوته في التصدي لهم ومحاربتهم ؟ فأين في هذه الحكاية المفتراة دفاعه عن عرضه ؟
وعلى ما نسجوه من كذب في هذه الحكاية فإن علي بن أبي طالب لا يصلح للخلافة !
فمن عجز عن الدفاع عن عرضه فليس جديرا بأن يكون خليفة للمسلمين ومن الذي سيبايعه إذا كان الناس كلهم قد سكتوا عن اقتحام بيته وإسقاط جنين امرأته ؟!
أما أهل السنة فيثبتون شجاعة علي رضي الله عنه وطهارة فاطمة رضي الله عنها وينفون تلك الحكاية الخبيثة لما فيها من الطعن بعدالة ودين أصحاب النبي صل الله عليه وسلم

3. ومما يدل على كذب هذه الحكاية ما يجمع بين علي وعمر رضي الله عنهما من العلاقة الحسنة والتي وصلت إلى تزوج عمر بابنة علي وفاطمة وهي " أم كلثوم " !

فكيف تصدق هذه الحكاية الخبيثة ونحن نرى حرص عمر على التقرب من علي وفاطمة بتلك المصاهرة ونرى موافقة الأبوين عليه أن يكون زوجا لابنتهم
وأما الرافضة فجن جنونهم لهذه المصاهرة وتفكروا في التخلص منها فقادهم إبليس إلى القول بأن الزواج تم بالإكراه !
وأن هذا " فرج غصبناه " !

وهؤلاء الضلال وأمثالهم لا يهمهم ما يدفعونه من ثمن في الطعن بالصحابة ولو بمثل هذه التخريجات التي مؤداها الدياثة والخساسة وحاشا أهل البيت من الرافضة وكذبهم

4. وإذا قال الرافضة إن عليا كان ضعيفا مستضعفا حتى هدم بيته –وفي رواية أنه حرق !– وحتى أكره على زواج باطل لابنته :

فأين إذن باقي أهل البيت ؟ ولم لم يدافعوا عن ابنة نبيهم صل الله عليه وسلم ؟!
فهل يعقل أن يجتمعوا جميعا على الخنوع والخور ؟!

5 . ولأن هذه القصة تحتوي على ما لا يصدق وتحتوي على ما فيه الطعن بأشرف بيت وأجل امرأة : رأينا من كذبها من بعض رؤوس الرافضة لا تنزيها للصحابة أن يفعلوها بل تنزيها لعلي أن يكون موقفه هذا !


أ. قال محمد حسين آل كاشف الغطاء (من كبار علماء الشيعة) :

ولكن قضية ضرب الزهراء ولطم خدها : مما لا يكاد يقبله وجداني ويتقبله عقلي وتقتنع به مشاعري
لا لأن القوم يتحرجون ويتورعون من هذه الجرأة العظيمة بل لأن السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركزتها الشريعة الإسلامية وزادتها تأييدا وتأكيدا : تمنع بشدة ضرب المرأة أو تمد إليها يد سوء حتى إن بعض كلمات أمير المؤمنيين ما معناه :
أن الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عارا في أعقابه ونسله
" جنة المأوى " ص 135


دعوى الشيعة أن الصحابة لم يحضروا جنازة النبي صل الله عليه وسلم

من أقبح الخصال التي يتصف بها الإنسان : الكذب ولهذا قال فيه النبي صل الله عليه وسلم :

(إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)
رواه البخاري 6134 ومسلم 2607

ولا يعلم من الطوائف المنتسبة إلى الأمة المحمدية من هو أكثر كذبا من الشيعة وهذا أمر معلوم عنهم من قديم وقد سطره الأئمة في كتبهم من مئات السنين ولا يزالون يتخلقون بهذا الخلق الذميم


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وقد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد على أن الرافضة الشيعة أكذب الطوائف والكذب فيهم قديم ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب

سئل الإمام مالك عن الرافضة فقال :

لا تكلمهم ولا ترو عنهم فإنهم يكذبون

وقال الإمام الشافعي :

لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة

وقال يزيد بن هارون :

يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية إلا الرافضة فإنهم يكذبون

وشريك هذا هو شريك بن عبد الله القاضي قاضى الكوفة من أقران الثوري وأبي حنيفة وهو من الشيعة الذي يقول بلسانه :

أنا من الشيعة وهذه شهادته فيهم

وهذه آثار ثابتة رواها أبو عبد الله بن بطة في " الإبانة الكبرى " هو وغيره

" انتهى باختصار من "منهاج السنة النبوية" 1/26-27

وقد توفي النبي صل الله عليه وسلم يوم الاثنين 12/ ربيع الأول/11هـ بعد الزوال ودفن ليلة الأربعاء بعد أن صلى عليه جميع أهل المدينة


كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه :

(يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون ثم يخرجون حتى يدخل الناس)
رواه الترمذي في "الشمائل" ص/338 وصححه الألباني في تحقيقه

ولا يظن بأحد من هؤلاء الصحابة الذين صلوا على الرسول صل الله عليه وسلم وكانوا بالمدينة يومئذ إلا أنه حضر جنازته صل الله عليه وسلم وهذا أمر أوضح من أن يبحث في دلائله فقد كان النبي صل الله عليه وسلم أحب إليهم من أزواجهم وآبائهم وأمهاتهم وأولادهم بل وأحب إليهم من أنفسهم


كما قال أنس رضي الله عنه :

(لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صل الله عليه وسلم)
رواه الترمذي 2754 وصححه الألباني في صحيح الترمذي

غير أن قوما امتلأت قلوبهم بالحقد والغل على الإسلام وأهله صاروا يفترون عليهم الأكاذيب ويطعنون فيهم بالباطل وهم خير الناس بعد أنبياء الله تعالى ورسله بشهادة الرسول صل الله عليه وسلم القائل :

(خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)
رواه البخاري 2652 ومسلم 2532

فمن طعن فيهم وانتقصهم وسبهم فإنما طعن في الرسول صل الله عليه وسلم فهم صحابته وتلاميذه وأنصاره وأحب الناس إليه


وقد ورد ما يدل على شهودهم جنازته صل الله عليه وسلم ـ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى دليل كما سبق كما قال القائل :

وليس يصح في الأذهان شيء *** إذا احتاج النهار إلى دليل

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال :

(لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صل الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وما نفضنا عن رسول الله صل الله عليه وسلم الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا)
رواه الترمذي 3618 وصححه ابن كثير في "البداية والنهاية" 5/239

وقالت فاطمة رضي الله عنها لما رجع الناس من دفن أبيها صل الله عليه وسلم :

(يا أنس ! أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صل الله عليه وسلم التراب)
رواه البخاري 4462

فمن أين جاء هؤلاء بهذا الإفك ؟


ولكن لا عجب من هؤلاء الذين

أنكروا ما هو معلوم من الدين بالضرورة
وأنكروا أن يكون القرآن محفوظا وزعموا أنه حرف ونقص منه أشياء
وطعنوا في عرض الرسول صل الله عليه وسلم
وسبوا أصحابه أقبح السب مع أن فضائلهم خلد الله ذكرها في القرآن الكريم والأحاديث المتواترة عن النبي صل الله عليه وسلم وأجمعت عليها الأمة
لا عجب على من أنكر ذلك أن يأتي بمثل هذه الفرية والله من ورائهم محيط وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

 كيف روى أبو هريرة رضي الله عنه كل هذه الأحاديث ومدة صحبته ثلاث سنوات فقط ؟

أولا :

ليس هذا محل إشكال على الإطلاق وإذا قمنا بعملية حسابية سريعة يتبين لنا أن هذا الإشكال لا حقيقة له

وبيان ذلك : أن ثلاث سنوات من صحبة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صل الله عليه وسلم تعني أكثر من 1050 يوما


وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه ملازما للنبي صل الله عليه وسلم ملازمة تامة يصاحبه أينما حل وارتحل ويقضي معه معظم يومه كما أخبر هو عن نفسه رضي الله عنه وأقر له الصحابة بذلك فكم حديثا نتوقع أن يسمع من النبي صل الله عليه وسلم في اليوم ؟


لا نريد أن نبالغ في العدد المفترض كي يتقبل القارئ الحجة بل نفترض عددا يقبله كل منصف يريد معرفة الحق لاتباعه ولتكن خمسة أحاديث في اليوم فقط ونعني بالأحاديث هنا خمسة مواقف فالحديث قد يكون قوليا

وقد يكون فعليا
وقد يكون إقرارا من النبي صل الله عليه وسلم لفعل أو قول فعل أمامه أو بلغه
وقد يكون الحديث وصفا للنبي صل الله عليه وسلم

فلو نقل أبو هريرة رضي الله عنه لنا فعلا فعله النبي صل الله عليه وسلم أو حدثا معينا -ولو كيفية الخروج للصلاة- فهذا يعد حديثا في عرف المحدثين


فلو فرضنا أن أبا هريرة رضي الله عنه سيسمع عند كل صلاة من الصلوات الخمس كلمة من النبي صل الله عليه وسلم أو يشاهد موقفا معينا فستكون حصيلة العلم الذي يجمعه أبو هريرة رضي الله عنه في اليوم الواحد خمسة أحاديث فقط


ولا نظن أن أحدا يزعم أن هذا عدد كبير لحال أي صديق مع صديقه فكيف بحال أبي هريرة رضي الله عنه المتفرغ للعلم وهو يصاحب أعظم الرسل وسيد البشر محمدا صل الله عليه وسلم ؟


وعليه ففي آخر صحبة أبي هريرة رضي الله عنه للنبي صل الله عليه وسلم ستكون حصيلة الأحاديث أكثر من خمسة آلاف حديث


وهكذا هي فعلا الأحاديث التي تروى عن أبي هريرة في كتب السنة نحو 5374 بحسب عددها في " مسند بقي بن مخلد " أضخم موسوعة حديثية مؤلفة نقلا عن الدكتور أكرم العمري في كتابه " بقي بن مخلد ومقدمة مسنده " ص/19


فأين هي المبالغة المنسوبة لأبي هريرة رضي الله عنه في روايته للأحاديث ؟


نظن أن أي منصف يتأمل عدد مرويات أبي هريرة رضي الله عنه مع مدة صحبته للنبي صل الله عليه وسلم يستنتج أنه لا صحة لهذه الزوبعة التي يثيرها البعض على مرويات أبي هريرة رضي الله عنه


فكيف إذا علم القارئ الكريم أن الخمسة آلاف حديث المروية لأبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة تشمل الصحيح والضعيف والموضوع ؟ يعني أن بعض هذه الأحاديث التي تنسب لأبي هريرة رضي الله عنه لم تصح عنه من الأصل


وكيف لو علم القارئ الكريم أيضا أن الخمسة آلاف حديثا المروية لأبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة تشمل المكرر الذي جاء بمتن ونص واحد ولكن تعددت أسانيده وطرقه ؟ فبعض الأحاديث تروى من عشرة طرق ونصها واحد فهذه يعدها العلماء عشرة أحاديث وليست حديثا واحدا


وكيف لو علم القارئ الكريم أيضا : أن الخمسة آلاف حديثا المروية لأبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة لم يأخذها كلها من النبي صل الله عليه وسلم مباشرة بل أخذ كثيرا منها عن إخوانه السابقين في صحبة النبي صل الله عليه وسلم ؟


ثم كيف لو علم القارئ الكريم أيضا أن أبا هريرة رضي الله عنه صحب النبي صل الله عليه وسلم أكثر من أربع سنوات وليس ثلاثة فقط


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في مدة صحبة أبي هريرة رضي الله عنه :

" قدم في خيبر سنة سبع وكانت خيبر في صفر ومات النبي صل الله عليه وسلم في ربيع الأول سنة إحدى عشرة فتكون المدة أربع سنين وزيادة وبذلك جزم حميد بن عبد الرحمن الحميري"
" فتح الباري " 6/608

وأما إخبار أبي هريرة رضي الله عنه عن نفسه أنه صحب النبي صل الله عليه وسلم ثلاث سنين كما وقع في "صحيح البخاري" حديث رقم/3591 أنه قال :

صحبت رسول الله صل الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن فى سنى أحرص على أن أعى الحديث منى فيهن

فهذا محمول على تقديره رضي الله عنه للمدة التي لازم فيها رسول الله صل الله عليه وسلم ملازمة شديدة واستثنى الأيام التي ابتعد فيها حين ذهب إلى البحرين أو في بداية إسلامه أو في أيام الغزوات حيث قد لا يتيسر له ملازمة النبي صل الله عليه وسلم في يومه وليلته


قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

" فكأن أبا هريرة اعتبر المدة التي لازم فيها النبي صل الله عليه وسلم الملازمة الشديدة وذلك بعد قدومهم من خيبر أو لم يعتبر الأوقات التي وقع فيها سفر النبي صل الله عليه وسلم من غزوه وحجه وعمره لأن ملازمته له فيها لم تكن كملازمته له في المدينة أو المدة المذكورة بقيد الصفة التي ذكرها من الحرص وما عداها لم يكن وقع له فيها الحرص المذكور أو وقع له لكن كان حرصه فيها أقوى والله أعلم "
" فتح الباري " 6/608

فإذا تبين أن صحبة أبي هريرة للنبي صل الله عليه وسلم أكثر من أربع سنين وأسقطنا من عدد الأحاديث المروية عن أبي هريرة الأحاديث المكررة والضعيفة فأي محل يبقى لدعوى مبالغة أبي هريرة رضي الله عنه في الرواية عن النبي صل الله عليه وسلم ؟


ثانيا :

ثم ننقل هنا بعض ما كتبه علماؤنا رحمهم الله في توضيح أسباب كثرة روايات أبي هريرة رضي الله عنه في كتب السنة عن غيره من الصحابة رض الله عنهم

قال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله :

"لكثرة حديث أبي هريرة رضي الله عنه أسباب استخرجناها من عدة روايات :
أحدها :
أنه قصد حفظ أقوال الرسول صل الله عليه وسلم وضبط أحواله لأجل أن يستفيد منها ويفيد الناس ولأجل هذا كان يلازمه ويسأله وكان أكثر الصحابة لا يجترئون على سؤاله إلا عند الضرورة وقد ثبت أنهم كانوا يسرون إذا جاء بعض الأعراب من البدو وأسلموا لأنهم كانوا يسألون النبي صل الله عليه وسلم
ومن الدلائل على هذا السبب ما رواه عنه البخاري قال : قلت : يا رسول الله ! من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أولى منك لما رأيت من حرصك على الحديث

وما رواه أحمد عن أبي بن كعب : أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله صل الله عليه وسلم عن أشياء لا يسأله عنها غيره


ثانيها :

أنه كان يلازم النبي صل الله عليه وسلم ويتبعه حتى في زيارته لنسائه وأصحابه ليستفيد منه ولو في أثناء الطريق فكانت السنين القليلة من صحبته له كالسنين الكثيرة من صحبة كثير من الصحابة الذين لم يكونوا يرونه صل الله عليه وسلم إلا في وقت الصلاة أو الاجتماع لمصلحة يدعوهم إليها أو حاجة يفزعون إليه فيها وقد صرح بذلك لمروان

وأخرج البغوي بسند جيد -كما قال الحافظ ابن حج - عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة :

أنت كنت ألزمنا لرسول الله صل الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه

وفي " الإصابة " عنه أنه قال : أبو هريرة خير مني وأعلم بما يحدث


وعن طلحة بن عبيد الله :

لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صل الله عليه وسلم ما لم نسمع

ثالثها :

أنه كان جيد الحفظ قوي الذاكرة وهذه مزية امتاز بها أفراد من الناس كانوا كثيرين في زمن البداوة وما يقرب منه إذ كانوا يعتمدون على حفظهم ومما نقله التاريخ لنا عن اليونان أن كثيرين منهم كرهوا بدعة الكتابة عندما ابتدءوا يأخذونها وقالوا : إن الإنسان يتكل على ما يكتب فيضعف حفظه وإننا نفاخر بحفاظ أمتنا جميع الأمم وتاريخهم ثابت محفوظ

قال الإمام الشافعي :

أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره وقال البخاري مثل ذلك إلا أنه قال : عصره بدل دهره

وأعظم من ذلك ما رواه الترمذي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأبي هريرة : أنت كنت ألزمنا لرسول الله صل الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه


رابعها :

بشارة النبي صل الله عليه وسلم له بعدم النسيان كما ثبت في حديث بسط الرداء المتقدم وفيه أن
النبي صل الله عليه وسلم قال لأبي هريرة : ابسط رداءك فبسطه فغرف بيديه ثم قال : ضمه
قال أبو هريرة : فضممته فما نسيت شيئا بعده
رواه البخاري 119
وهو مروي من طرق متعددة في الصحاح والسنن

خامسها :

دعاؤه له بذلك كما ثبت في حديث زيد بن ثابت عالم الصحابة الكبير رضي الله عنه عند النسائي وهو :
أن رجلا جاء إلى زيد بن ثابت فسأله فقال له زيد : عليك بأبي هريرة فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا رسول الله صل الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فقال : عودوا للذي كنتم فيه
قال زيد فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله صل الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا
ودعا أبو هريرة فقال : إني أسألك مثل ما سأل صاحباي وأسألك علما لا ينسى
فقال : سبقكم بها الغلام الدوسي
قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " 4/208 : إسناده جيد

سادسها :

أنه تصدى للتحديث عن قصد لأنه كان يحفظ الحديث لأجل أن ينشره وأكثر الصحابة كانوا ينشرون الحديث عند الحاجة إلى ذكره في حكم أو فتوى أو استدلال والمتصدي للشيء يكون أشد تذكرا له ويذكره بمناسبة وبغير مناسبة لأنه يقصد التعليم لذاته وهذا السبب لازم للسبب الأول من أسباب كثرة حديثه

سابعها :

أنه كان يحدث بما سمعه وبما رواه عن غيره من الصحابة كما تقدم فقد ثبت عنه أنه كان يتحرى رواية الحديث عن قدماء الصحابة فروى عن أبي بكر وعمر والفضل بن العباس وأبي بن كعب وأسامة بن زيد وعائشة وأبي بصرة الغفاري
أي : أنه صرح بالرواية عن هؤلاء ومن المقطوع به أن بعض أحاديثه التي لم يصرح فيها باسم صحابي كانت مراسيل لأنها في وقائع كانت قبل إسلامه ومراسيل الصحابة حجة عند الجمهور

فمن تدبر هذه الأسباب لم يستغرب كثرة رواية أبي هريرة ولم ير استنكار أفراد من أهل عصره لها موجبا للارتياب في عدالته وصدقه إذ علم أن سبب ذلك الاستنكار عدم الوقوف على هذه الأسباب


على أن جميع ما أخرجه البخاري في صحيحه له 446 حديثا بعضها من سماعه وبعضها من روايته عن بعض الصحابة وهي لو جمعت لأمكن قراءتها في مجلس واحد لأن أكثر الأحاديث النبوية جمل مختصرة


فهل يستكثر عاقل هذا المقدار على مثل أبي هريرة أو من هو دونه حفظا وحرصا على تحمل الرواية وأدائها؟!"

انتهى باختصار

ليست هناك تعليقات